الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

223

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وتلك الصور الخيالية هي أمثال العلماء لا أن حكمهم ومواعظهم محفوظة . فإن الكلام منه عليه السّلام مسوق لبيان بقائهم بصورهم المثالية دون خزّان الأموال ، لإبقاء مقالهم فإنها معلوم البقاء من كلّ أحد ، ولا يدل على امتيازهم عن أهل الدنيا بأنفسهم كما لا يخفى . وبعبارة أخرى : أن ذكرهم الصوري إنما هو بسبب أقوالهم وإخباراتهم وإيراداتهم للمسائل ، فصورتهم المثالي موجودة بذلك لا أن تلك الحكم موجودة . والوجه فيه أن ما يرجحه العالم في نظره إنما هو في الواقع صورته الباطني ، لأن معلوماته الراجحة في الحقيقة صفاته بذاته ، والصفات صورة الموصوف ، التي بها ظهر وإلى كون الرأي والعلم هو الصفة في أي أمر كان ، يشير قوله تعالى : سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم 6 : 139 ( 1 ) . فالعلوم والمعارف الباقية منهم الظاهرة في قلوب المراجعين لها في الحقيقة صورة للعالم الميت ومثاله ، الذي به ظهر لنا فعلا أو هي سبب لذكره هكذا . ويمكن أن يكون المراد بقوله : وأمثالهم في القلوب موجودة هو الكناية عن أنهم بهذه المعارف والعلوم مثابون عند اللَّه تعالى بسبب ما خلَّفوا من العلوم النافعة . ثم : إن قوله : الأمثال ، جمع مثل بالتحريك وهو في الأصل بمعنى النظير ، قد علمت أن المثل بالكسر هو بمعنى الشبه والنظير ، إلا أنه قد يستعمل المثل بالتحريك في النظير أيضا كما لا يخفى . وكيف كان فالمثل بالتحريك هو ما عرفت معناه ، وأنه بمعنى الحجة والحديث أيضا ، والجمع المثل بضمتين وبمعنى المشابهة بغيره في معنى من المعاني . وتوضيح ذلك : أن المثل يؤتى به في مقام التمثيل بين شيئين ، أحدهما : مجهول والآخر معلوم ليبين المجهول ، فهو عبارة عن تنزيل الشيء المجهول عن مرتبة لا يمكن تناوله ، والإحاطة به فيها إلى مرتبة يمكن تعقّله لمن أريد منه أن يتعقل

--> ( 1 ) الأنعام : 139 . .